نظمت مؤسسة فريدريش ناومان الألمانية بالقاهرة يوم 13 يوليو الجارى ندوة حول دور الأحزاب الليبرالية المعارضة فى العالم العربى بمشاركة باحثين وخبراء يمثلون مختلف الدول العربية ،حيث أسهم كل منهم بفكره من خلال الأوراق البحثية حول الأحزاب الليبرالية فى بلاده ،إلى جانب مداخلاته الثرية إبان المناقشات،التى كانت تعقب عرض الأوراق البحثية فى كل جلسة من جلسات الندوة الأربعة،التى تلت الجلسة الإفتتاحية التى تحدث فيها الدكتور رونالدو ميناردوس ،المدير الإقليمى لمؤسسة فريدريش ناومان بالقاهرة،وأكد خلالها على توجه المؤسسة الهادف إلى التوعية بأهمية الليبرالية وضرورة دعم الفكر الليبرالي والأحزاب والمنظمات والتجمعات الليبرالية فى العالم العربى علميا وبحثيا وتدريبيا من أجل تحقيق الديمقراطية والتنمية فى تلك البلدان .
وبعنوان :أحزاب المعارضة والدولة فى العالم العربى،جاءت الجلسة الأولى ،التى ترأسها السيد/ محمد تلمادو ،مدير مكتب حزب الإتحاد الدستورى المغربى،ثم تحدث فيها الدكتور محمد نور فرحات ،أستاذ القانون الدستورى بجامعة الزقازيق المصرية عن البيئة القانونية والدستورية للأحزاب الليبرالية العربية ،حيث أشار إلى أن الليبراليين العرب يواجهون تحديات عديدة منها: القيود القانونية والدستورية التى تحاصرهم بها الأنظمة الحاكمة،حيث تتفنن فى إجهاض تأسيس الأحزاب عموما والليبرالية منها على وجه التحديد، من خلال تفسيرات قانونية ودستورية معقدة ومراوغة مثلما هو الحال فى مصر وسوريا واليمن ،أو الحظر المباشر مثلما هو الحال فى دول الخليج وليبيا بذريعة الحفاظ على الوحدة الوطنية والإستقرار السياسى. .وهناك أيضا تربص التيارات القومية واليسارية والإسلامية بهم ومحاولتهم تقويض التيار الليبرالى العربى . ويخلص الدكتور فرحات إلى القول بأن الأنظمة العربية غير الديمقراطية تسعى لتوظيف الأحزاب من أجل تأبيد حكمها وتكريس هيمنتها على السلطة ،وقد ضرب مثالا على ذلك بتعديلات المادة 76 من الدستور المصرى.
وعن إستراتيجيات عمل أحزاب المعارضة الليبرالية فى العالم العربى ،جاءت ورقة الدكتور وحيد عبد المجيد ،نائب مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام .حيث فتح النار على الأحزاب العربية والليبرالية منها على وجه التحديد، ،متسائلا هل هناك بالفعل أحزاب ليبرالية فى العالم العربى؟ ورد على نفسه بالنفى،مفسرا ذلك بأن غالبية الدول العربية تحظر تأسيس الأحزاب من الأساس حتى أننا لا نجد تعددية حزبية حقيقية إلا فى سبع أو ثمانى دول عربية فقط هى مصر ،الأردن ،لبنان،اليمن ودول المغرب العربى ،وحتى فى داخل تلك الدول القليلة التى بها أحزاب ،نجد القليل جدا من بين تلك الأحزاب هو ما يدعى أنه ليبرالى ،وإذا ما حاول المرء تقويم هذا الإدعاء أو الوصف على نحو موضوعى يكتشف أن تلك الأحزاب أبعد ما تكون عن الليبرالية فى كل شىء بما فى ذلك علاقاتها مع الأحزاب الأخرى ومع النظام وحتى علاقات قياداتها البينية أيضا هذا إلى جانب إنعزالها التام عن الجماهير،فكيف ندعى أن هناك أحزابا ليبرالية عربية؟ . غير أن وحيد عبد المجيد إستثنى نسبيا المغرب ،التى حرصت منذ بداية عهدها بالأحزاب على التعددية الحزبية الحقيقية دونما إنقطاع، من هذا الوضع العربى الجائر الذى باتت التعددية الحزبية فيه شكلية والليبرالية مجرد شعار.
وتحت عنوان:المعارضة الليبرالية والدولة فى مصر،عقدت الجلسة الثانية،التى ترأسها السفير ناجى الغطريفى من حزب الغد المصرى،وإستهلها بالحديث الدكتور مصطفى الفقى من الحزب الوطنى الديمقراطى،الذى أكد بداية على أنه لا يمثل الحزب وإنما يتحدث عنه كباحث ومراقب. وقد عبر الفقى عن قلقه من الحال الذى آلت إليه مصر عموما ومن الناحية السياسية على وجه التحديد ،واصفا تلك الحالة بالمعقدة والغامضة فى آن ،وإستشهد فى ذلك بموضوع التوريث ،الذى تتخذ إجراءات فعليه من أجل تحقيقه فيما تصر الدولة على نفيه بشكل قاطع كما يستبعده جمال مبارك شخصيا . وأشار إلى أن النظام الحزبى فى مصر بوجه عام ضعيف منذ نشأته ولا يزال كما أن الأحزاب المصرية هى أحزاب أشخاص ولا يوجد لدى أى منها رصيد شعبى حقيقى . وأرجع الفقى أزمة الليبرالية والديمقراطية فى مصر إلى نوعين من الإزدواجية ،أولاهما بين الدين والسياسة حيث الصراع بين الدولة والإخوان .وثانيتهما ،تحالف السلطة والثروة وتدخل رجال الأعمال فى السياسة مما أدى إلى إفسادها . ويعتبر الفقى أن ضبابية مفهوم الليبرالية بالنسبة للمواطن المصرى والعربى البسيط هى سبب ضيق مساحة الليبرالية فى بلداننا ،لذلك دعا المؤسسات والأحزاب الليبرالية لتبسيط المفهوم للناس حتى يتقبلوه ويقترح فى هذا الخصوص ربط مفهوم الليبرالية بموقف الإمام الشافعى الذى يقول فيه: "إن رأيى خطا يحتمل الصواب ورأى غيرى صواب يحتمل الخطأ" ،وكذا رأى الفيلسوف الفرنسى فولتير القائل:"إننى مستعد لأن أدفع حياتى ثمنا لأن تعبر عن رأيك " .
وعن المعارضة الليبرالية فى البرلمان وخبرات حزب الوفد،تحدث الدكتور محمد مصطفى شردى النائب البرلمانى الوفدى ،الذى حرص على تحميل النظام الحاكم فى مصر وباقى البلدان العربية مسؤولية تعثر المعارضة الحزبية الليبرالية فى تلك البلدان ،ففيما أشار إلى جوانب الخلل والقصور العديدة فى النظام الحزبى المصرى وفى أداء الأحزاب العربية ،إعتبر أن الإجراءات الحكومية المقيدة والتمييزية لمصلحة الأحزاب الحاكمة فى الوقت الذى يتم تضييق الخناق على الأحزاب المعارضة الليبرالية وغير الليبرالية هو سبب الأزمة الرئيسى . وإستشهد شردى بتجربة حزب الوفد المصرى ،الذى قال إنه يعانى الكثير بسبب كونه معارضا ليبراليا ،سواء فى الإنتخابات أو فى الأنشطة التى يحاول الحزب القيام بها من أجل التواصل مع الجماهير ،حيث تضيق عليه الدولة وتجعل من نجاح أى مرشح له فى الإنتخابات معجزة حقيقية . ومن جانب آخر، أكد شردى على غياب الحوار الديمقراطى البناء بين أحزاب المعارضة والحكومة مفسرا ذلك بعدم رغبة الدولة فى تحقيق الديمقراطية وتنشيط الحياة الحزبية حتى يظل الحزب الوطنى مسيطرا وحده على مقاليد الأمور إلى أطول فترة ممكنة.
وعن دور الأحزاب الليبرالية المعارضة فى لبنان وبلدان المغرب العربى ،دارت الجلسة الثالثة برئاسة السيد/ سائد كراجة،رئيس منتدى الفكر الحر فى الأردن ،حيث عرض باحثون من تلك البلدان العربية أوراقهم فى هذا الصدد . وإستهل الدكتور كميل شمعون، رئيس وحدة العلاقات الخارجية بحزب الوطنيين الأحرار بلبنان، بالإشارة إلى ضعف الليبرالية فى الأحزاب اللبنانية بسبب الطائفية والمذهبية السياسية ،التى حالت دون إستقرار القيم الليبرالية فى النظام السياسى اللبنانى ،حيث تؤدى الديمقراطية التوافقية التى تسود فى لبنان إلى تقويض الليبرالية ،غذ يضطر الفائز فى الإنتخابات وصاحب الأغلبية إلى الحوار مع المهزوم الذى لم يحصل على أصوات كثيرة ويتوافق معه على شكل الحكومة المقبلة. ولم تقتصر المذهبية السياسية فى لبنان على الممارسة السياسية داخل النظام فقط وإنما تغلغلت أيضا إلى داخل الأحزاب السياسية ذاتها.كما يعانى الليبراليون اللبنانيون من سطوة وقمع القوة العسكرية المدعومة بالدين . وأكد شمعون أن الأحزاب اللبنانية كانت ليبرالية فى خمسينيات القرن الماضى أكثر من الوقت الراهن حيث كان هناك حزبان رئيسيان فى حينها هما الكتلة الوطنية والكتلة الدستورية ،وكانا معا يضمان كافة القوى والطوائف والفئات دونما تمييز .
وعن بلدان المغرب العربى تحدث الدكتور حسن عبيابا،الأستاذ الجامعى ومدير المنتدى الليبرالى بالمغرب،حيث ركز على خصوصية التجربة المغربية عربيا،إذ تمكنت المغرب قبل عشر سنوات تقريبا من فتح صفحة جديدة من الممارسة السياسية والعلاقة بين النظام والأحزاب السياسية ،كما وضعت دستور عام 1996 ،الذى أكد تواصل التجربة السياسية المغربية وتواصل التعددية الحزبية إلى جانب تمكين المرأة من خلال إنشاء مدونة المرأة المغربية فضلا عن محاربة الفساد والإضطهاد وإنتهاك حقوق الإنسان من خلال تدريس حقوق الإنسان فى مراحل التعليم المختلفة وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة ،التى أعادت للمواطن المغربى حقوقه وعوضته عن الشقاء والإضطهاد والتعذيب والسجن فيما مضى ،حتى إضطرت الحكومة المغربية إلى دفع تعويضات تقدر بالمليارات تحت إشراف الهيئات الدولية المعنية .
وربما أفضل ملمح لخصوصية الحالة المغربية عربيا هو تداول السلطة فيها على نحو فريد من خلال العفو عن قيادات المعارضة المسجونين والمنفيين ومنحهم فرصة تاريخية للمشاركة فى الحكم وتقلد مناصب وزارية مهمة بما فيها منصب رئيس الوزراء،حتى أن بعض المعتقلين السياسيين ،الذين عانوا من التعذيب ،باتوا وزراء للعدل والداخلية وصاروا يحققون فى تلك الأحداث الغير قانونية ويعاقبون مرتكبيها ويصرفون التعويضات للمتضررين منها . وقد أرجع الدكتور حسن هذا التميز المغربى فى المجال السياسى إلى حرص المغاربة على التطوير والإصلاح وسعيهم دائما نحو الأفضل من خلال مقارنة أنفسهم بدول أوربا المجاورة ،التى لا تبعد عن بلادهم سوى 14 كلم فقط ،بينما لا يكتفون بأنهم أفضل من دول عربية عديدة .
وعن دور القوى الليبرالية المعارضة فى الأردن وفلسطين جاءت الجلسة الأخيرة ،التى ترأسها الأستاذ إبراهيم نوار ،امين التدريب و التثقيف السياسي بحزب الجبهة الديمقراطية بمصر و عضو المكتب التنفيذي ،وتحدث فيها باحثان من فلسطين و الأردن ، أما الباحثة الفلسطينية الأستاذة وفاء عبد الرحمن، المدير العام لمؤسسة فلسطينيات،فقد ركزت على خصوصية الحالة الفلسطينية ،التى غلب على التنظيمات أو القوى السياسية فيها الطابع التحررى النضالى ضد الإحتلال ،غير أن الباحثة إعتبرت أنه رغم تعاظم نفوذ حركة حماس ذات الخلفية الدينية الإسلامية ،إلا أن جذور الليبرالية الفلسطينية التى بدأت مع عشرينيات القرن الماضى بدأت تترعرع وتنتشر حتى صارت هناك قاعدة جيدة يمكن الإنطلاق منها لتأسيس أحزاب أو تجمعات ليبرالية مستقبلا ،إذا ما تطورت الأوضاع نحو الأفضل.
وبدوره،أشار عضو البرلمان السيد محمد أرسلان، الأردن، إلى التشابه الكبير بين الحالة الأردنية وغيرها فى سائر البلدان العربية ،من حيث غياب الثقافة الليبرالية وسيطرة النظام الحاكم على الأمور مما يضعف من النظام الحزبى إلى جانب إنتشار التيار الإسلامى بشكل كبير بسبب العزف على وتر الدين ،وإن كان الليبراليون الأردنيون لديهم عزيمة ورغبة جادة فى الصمود والتطور،خصوصا مع وجود ترحيب بالفكر الليبرالى بين قطاع واسع من الشباب الأردنى.
|