وثائق


كلمة محمد ناجى الغطريفى فى مؤتمر الليبرالية الدولية عن حقوق الإنسان

تايبي، تايوان ديسمبر 7-10، 2007

موضوع المؤتمر : النهج المؤسسى لحقوق الإنسان

الجلسة عن: الشبكات الليبرالية الإقليمية و دعم حقوق الإنسان

السيدات و السادة

بالنيابة عن شبكة الليبراليين العرب المؤسسة حديثا، يشرفنى أن أكون معكم اليوم. و إنها لفرصة طيبة أن يجتمع أصحاب الرؤى المتقاربة حول قضيتهم المشتركة. إن لوجودى معكم اليوم أهمية خاصة لشبكة الليبراليين العرب و لى شخصيا، فهى تشعرنا جميعا بالطمأنينة لإتساع مساحة الليبرالية و إكتسابها أراض جديدة على كوكبنا. و هو الأمر الذى يؤكد على أننا جميعا نحقق مكاسب من نمو قدرات كل منا، لأن إنتصار الحرية المقترنة بالمسئولية و الكرامة الإنسانية لن يتحقق إلا بوجود مدافعين عن الحرية يعتد بهم، قادرون و يعملون على نشر التعايش السلمى بين الشعوب و إقامة العدل و تحقيق إستقرار يقوم على إحترام حقوق الإنسان. هذا ما تسعى من أجله الشعوب فى كل أنحاء العالم و هذا هو ما نستطيع نحن الليبراليين خاصة أن نوفره لهم. و هو بالتحديد ما نحتاج لنشره فى منطقتنا العربية.

من خلال الدعم المقدم من مؤسسة فريدريش ناومان، عقدت شبكة الليبراليين العرب تحت التأسيس عدة إجتماعات فى بلاد مختلفة من المنطقة العربية، لإقامة شبكة سيكون مقرها قريبا فى مصر. إن إقامة منتدى لليبراليين العرب هو سابقة ستمكنهم من أن يقفوا متحدين ضد الأنظمة الشمولية و أيديولوجياتها المستبدة و القمعية السائدة فى المنطقة العربية.

دعونى أذكركم بأن المنطقة العربية لا تزال تعانى من آثار الإستعمار، و إحساس مدمر بالتهميش، و أنظمة تعج بالفساد و المحسوبية. يخدع شعوبها ذكريات إنتصارات مضت و تفسيرات مغلوطة لدينهم الذي يقدرونه و إحباط عميق لنيل حقوقهم كغيرهم من الشعوب. تلك هى القضية المحورية لإقامة شبكة الليبراليين العرب التى تسعى إلى حماية و تقرير حقوق الإنسان. ذلك أن جوهر الليبرالية هو إحترام هذه الحقوق.

و أنا هنا أتحدث عن حقوق الإنسان للجميع، و ليس حقوق الإنسان المتعلقة بطبقة إجتماعية معينة كما مع الإشتراكيين، و لا محددة بكيان جغرافى محدد كما مع القوميين، و لا حتى مخصصة لأتباع دين معين. فبشبكة الليبراليين العرب، نؤكد على أن حقوق الإنسان عالمية و غير قابلة للتجزئة.

هناك من يتسائلون عما إذا كانت الأفكار الليبرالية ملائمة للمنطقة العربية، و آخرين يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك ليتسائلوا عما إذا كان العرب مؤهلين للتحول الديمقراطى و العولمة و التنمية الإنسانية الشاملة.

للإجابة على هذه التساؤلات، يجب أن نرجع للتاريخ. فبدون الإصلاح اللوثرى للكنيسة فى القرن الرابع عشر، لم تكن الثورة الفرنسية لتندلع. فقد مرت على تلك الثورة مائة عام من الإضطرابات حتى تمكنت من إقامة الديمقراطية. و فى أوروبا إستمرت المعتقدات الدينية المعوقة، و مؤسسات الحكم المستبد، و الهيراركية التقليدية للسلطة فى عرقلة الإنتشار الحقيقى للديمقراطية. و دعونا أيضا أن نتذكر أن عملية التحول الديمقراطى بدأت مؤخرا فقط فى الإنتشار فى أمريكا الجنوبية فى أواخر الثمانينيات و أوائل التسعينات، و لا تزال حتى الآن تواجه مقاومة فى بعض من بلدانها.

حين نوجه نظرنا إلى العالم العربى، ندرك أن الدين الإسلامى هو العامل المهيمن فى ثقافة هذه المنطقة. البعض يرى أن فى حالة إصلاح الفكر الإسلامى، فإنه لن يشكل عقبة فى نشر الديمقراطية. و آخرون يرون أن الفصل بين الدين و السياسة أو الدولة هو الطريق للوصول إلى هذا الهدف. و حتى نتعامل مع هذا الموضوع على نحو صحيح، يجب علينا أن نأخذ فى إعتبارنا أن الإسلام مثله مثل الأديان الأخرى، يحافظ على الأخلاقيات و القيم التى هى أساس العدالة الجتماعية و السياسية و الإقتصادية و إحترام حقوق الإنسان. القرآن، الكتاب المقدس فى الإسلام، يحتوى على آيات، هى أساس التشريع الإسلامى الذى عمل الرسول على تطبيقه حين أقام الدولة الإسلامية منذ أربعة عشر قرنا. إن التشريع الإسلامى كان إستجابة للأوضاع الإجتماعية و السياسية السائدة فى هذا العصر.

و فى أعقاب رحيل الرسول و خلفائه الأربعة العظام، أصبحت دولة الخلافة الإسلامية غطاء لنظام حكم ملكى عضود شهد إنتهاكات واسعة لكرامة البشر و حقوقهم. و إستمر ذلك حتى حكم الإمبراطورية العثمانية التركية للبلاد العربية. و مع سقوط الإمبراطورية العثمانية على يد المستعمرين الأوروبيين، سقطت آخر بقايا ما يعرف بالخلافة الإسلامية.

إستمر الحكم الإستعمارى فى القمع الوحشى لحركات التحرير، كما إستولى على الثروات الوطنية و دنس أماكن العبادة و الرموز الدينية و إنتهك حقوق الإنسان لمواطنى البلاد التى خضعت للإحتلال. و للأسف، يستمر ارتكاب هذه الفظائع فى العراق و فلسطين و الصومال، و مرة أخرى ولدت مثل هذه الإنتهاكات لدى المقهورين نفس مشاعر الإستياء و الإذلال و المرارة و اليأس و التى تؤدى إلى أعمال تخريبية مشحونة بالغضب.

لقد لعبت القوات المسلحة فى البلاد العربية دورا فى طرد القوى المستعمرة، و بذلك ملأت فراغ السلطة بعد رحيلها. إلا أن زمرة العسكريين حكمت بديكتاتورية و إستبداد و لذا إستمر الظلم و الإذلال و إنتهاك حقوق الإنسان للمواطنين. اليوم، و بعد مرور ما يقرب من 70 عاما من نظم حكم تنتهك حقوق الإنسان، نرى أن الموارد الوطنية فى الكثير من البلاد العربية قد تم تبديدها من قبل أنظمتها الفاسدة حتى وصلت معدلات التضخم إلى معدلات أعلى من أى وقت مضى جنبا إلى جنب مع بطالة متزايدة و أمية و تدهور فى الخدمات الأساسية كالتعليم و الرعاية الصحية و المواصلات و الإتصالات.

إن تقارير الأمم المتحدة السنوية عن التنمية البشرية قد أكدت و كشفت هذا الوضع المؤسف و شخصت المخاطر الذى يشكله على الإستقرار الوطنى، و لذلك دعمت النداءات المتصاعدة للإصلاح الداخلى. إلا إن كارثة الحادى عشر من سبتمبر لفتت الإنتباه للإنعكاسات السلبية لليأس و الفقر و الإنفجارات السكانية. و بالتالى لم يعد أمام الأنظمة العربية التى لا تمثل شعوبها، إزاء ضغوط الخارج، خيار غير الإصلاح.

إلا أنها أصرت على الإحتفاظ بحقها فى إتخاذ برامج الإصلاح وفقا لظروف كل دولة و دون التقيد بجدول زمنى، و هذا يعنى تمكين تلك الأنظمة إتباع أساليب تؤدى إلى إفراغ الإصلاح من مضمونه، و التأكد من إستمرار سيطرتها على السلطة و عدم السماح بتداولها. طرحت الأنظمة الشمولية صعود الإسلاميين و دورهم فى تهديد مصالح الغرب و إمكانية زعزعة الإستقرار العالمى، خصوصا بالنسبة لإمدادات النفط و سلامة إسرائيل، كآلية قوية لصرف الضغوطات الدولية لإصلاحات مقبولة. و فى هذه الأثناء، يستمرون فى إضعاف جميع الأحزاب المرخص لها بالعمل المحدود عدا حزبهم، و يتغاضوا عن نشاط الإسلاميين ينشطون ليقدمونهم إلى مواطنيهم و العالم على أنهم البديل الوحيد للوضع الراهن.

الآن، كما يعلم بعضكم، بإستطاعة الإسلاميين تفادى القيود التى تتعرض لها القوى السياسية العلمانية الأخرى، كحرية إنشاء أحزاب سياسية، و حق الأحزاب الموجودة فى أن تتواصل مع جماهيرها، أو الحق فى نشر أفكارهم و الدعاية لزعمائهم فى وسائل الإعلام. علاوة على ذلك، بخلاف الأحزاب الموجودة، فمن الصعوبة بما كان إختراق الإسلاميين و تخريبهم من الداخل. و بالإضافة إلى ذلك يحصل الإسلاميين على دعم رجال أعمال فى الداخل و من الخارج و يقدمون خدمات تكون مجتمعانهم فى أمس الحاجة إليها. على سبيل المثال، فقد أنشأوا شبكة جمعيات خيرية واسعة للرعاية الإجتماعية، و منشآت إسلامية للتعليم و الرعاية الصحية ملحقة بالمساجد لضمان حمايتها. و هم أيضا يتواصلون مع الجمهور و يوصلون رسالتهم من خلال محطات تليفيزيونية فضائية إسلامية مختلفة.

يمكنكم ان تتسائلوا كيف يتسامح الديكتاتوريين فى الشرق الشرق الأوسط مع تسييس الإسلام. الواقع إن لديهم سببين قويين لفعل هذا. الأول هو خروج الإسلاميين إلى العلن حتى تتمكن أجهزة الأمن و الإستخبارات من التعرف على عناصرهم، و الثانى هو أنهم من الممكن أن يتم إعتقالهم بسهولة و بطريقة قانونية متى عبروا أى خط أحمر حيث أن تنظيماتهم محظورة قانونا. و هذا تم بسهولة من قبل السلطات المعنية، حيث أنهم ببساطة حظروا إقامة أى تنظيم سياسى على أساس دينى.

و لذا، فكان التكتيك الأول المستخدم من قبل الأنظمة الشمولية فى المنطقة العربية كى يتفادوا أى إصلاح حقيقى هو إستخدام الإسلام السياسى لإثارة الفزع لدى القوى الوطنية فى الداخل و المجتمع الدولى فى الخارج.

أما التكتيك الثانى الذى لجأوا إليه للتملص من إجراء الإصلاح هو التلاعب بالخصخصة تحت مسمى الإصلاح الإقتصادى. إذ قاموا بتسهيل إستفادة عائلاتهم و أصدقاءهم من تحرير الإقتصاد و خصخصة القطاع العام، و بهذا يقيمون مجتمعهم الخاص من رجال الأعمال المدينين بالكامل لهم و المعتمدين عليهم. بإختصار، تحت مسمى الإصلاح الإقتصادى، خاصة فيما يتعلق بخصخصة و تحرير الإقتصاد، نكتشف أن التسلط السياسى يزداد إحكاما و قدرة على التكيف مع المستجدات الدولية.

التكتيك الثالث المستخدم من قبل هذه النظم هو ضم شباب التكنوقراط و الخبراء و رجال الأعمال المتطلعين إلى مناخ ليبرالى ليروجوا لأعمالهم بإستقطابهم إلى المنتدى السياسى للنظام، الذى يسمونه حزب و بهذا يتم إحتواء أى تهديد أو خطر يمكن أن يمثله هؤلاء على إستمرارية الأنظمة الحاكمة.

أستطيع أن أستمر فى رصد الطرق التى تستعملها الديكتاتوريات السلطوية كى يثبتوا أنفسهم فى السلطة، لكن السبل الثلاث التى ذكرتها بتفصيل أكبر كفيلة لتوضيح كيف أن النظم العربية غير الممثلة لشعوبها تستبدل مكونات النظام الديمقراطى ببدائل زائفة من صنع الدولة. بإختصار يمكنهم أن يعطوا شعارات ديمقراطية فى المسمى، و لكن فى الحقيقة تكون بعيدة كل البعد عن الليبرالية و الديمقراطية.

هذه التكتيكات و المناورات الداخلية تطبق فى ظل حماية المؤسسة العسكرية. إذ أن الطريقة المثلى التى تضمن للديكتاتوريين أمنهم و سيطرتهم على السلطة هى رضاء كبار الشخصيات العسكرية و إتاحة الفرصة لحصول رجالهم على نصيب وافر من المزايا و الفرص التى تتيحها التحولات الإقتصادية.

كم من الوقت سنحتاجه للقضاء على الديكتاتوريات فى العالم العربى و أيديولوجيات الظلم و القهر التى تتجاهل حقوق الإنسان؟ أنا أؤكد أن لا أحد يعلم بالضبط.

و مع ذلك، يجب علينا ان نتذكر أن قوى التحرر الأوروبية كان عليها أن تمر بحرب عالمية للقضاء على الفاشية و 70 عاما أخرى من المقاومة و اليقظة و الترقب المستمر لمحاربة الشيوعية.

نحن ندرك أن أمام الليبراليين فى الشرق الأوسط العربى طريق شاق. و فى ذات الوقت، نؤمن أن أعضاء الشبكة العربيةبما لديهم من إيمان بحقوق كل فرد من أبناء وطنهم، هم المؤهلين للإسهام فى تغيير قدر أوطانهم، و هم المستعدين للكفاح من أجل اللحاق بقطار الحداثة قبل أن يفوت الأوان.

 
  جميع الحقوق محفوظة - شبكة الليبراليين العرب 2008